ما مدى تأثر بنية ووظيفة البرلمان المغربي بطبيعة النظام التمثيلي؟

الصورة : البرلمان المغربي / رسم لفخر الدين لوحي- طفرة

 ولدت الديمقراطية النيابية في أوربا مطلع القرن الثامن عشر،مرتبطة بظهور نظرية سيادة الشعب،حيث استحال وقتئذ التطبيق الواقعي للديمقراطية المباشرة، بالمقابل لم تظهر إلى حيز الوجود في المغرب سوى مع ميلاد أول دستور  يوم 14 دجنبر 1962 . فبعد الاستقلال سنة 1956 عاش المغرب مرحلة من أهم مراحل  حياته السياسية والتي حسمت مستقبله السياسي وطبيعة نظام الحكم الذي سيعتمد إلى يومنا هذا،إذ تشكل أول برلمان المغرب من غرفتين مجلس النواب وينتخب عن طريق الاقتراع الأغلبي بدورة واحدة،ومجلس المستشارين  الذي كان ينتخب وَقْتَئِذٍ عن طريق الإقتراع الأحادي الإسمي ذي الدورة والواحدة وأضحى منذ سنة 2002 ينتخب ينتخب عن طريق الاقتراع اللائحي ذي التمثيل النسبي .

إن المتتبع للحياة السياسية بالمغرب ليلاحظ أن هناك جملة من الإصلاحات التي مست النظام التمثيلي، على اختلاف الحقب التاريخية والدوافع الداعية لذلك، فما مدى تأثر بنية ووظيفة البرلمان المغربي بطبيعة النظام التمثيلي؟ وهل شكل خطوة إلى الأمام أم إلى الخلف ؟
سنحاول في هذه المقالة أن نتعقب أثر النظام الانتخابي على الأداء الوظيفي للمؤسسة البرلمانية منذ أول برلمان بالمغرب سنة 1963 إلى غاية سنة 2018 . ذلك أن مسألة اختيار النظام التمثيلي تعد من أهم القرارات التي يتخذها النظام السياسي الديمقراطي لارتباطها القوي بعملية إسناد و توزيع السلطة، فالنظام الانتخابي ليس غاية في حد ذاته،وإنما هو وسيلة ترتب آثار ونتائج معينة،فإما أن يعزز الديمقراطية،أو يقوضها.فما المقصود إذن بالنظام (التمثيلي) أو الانتخابي؟ وكيف تأثرت بنية ووظيفة البرلمان بالتغيرات التي طالت النظام التمثيلي في المغرب؟

يعرف النظام التمثلي أو الانتخابي على أنه تلك الطريقة التي من خلالها تترجم الأصوات المعبر عنها إلى عدد من المقاعد داخل قبة البرلمان،وعليه فهو مجموعة من الإجراءات والأعمال المادية والقانونية التي تقود بصورة رئيسية إلى تعيين حكام من طرف أفراد الأمة. وهو الطريق المجسد لبرلمان ديمقراطي يمثل الشعب تمثيلا سياسيا حقيقيا. وتصنف الأنظمة الانتخابية إلى عدة أصناف،يبقى أكثرها شيوعا النظام الأغلبي،والتمثيل النسبي والنظام المختلط  .
فمنذ دخول دستور 14 دجنبر 1962 حيز التنفيذ،تبنى المشرع المغربي  نمط الاقتراع الأحادي الاسمي ذي الدورة الواحدة ، في كل الاستحقاقات الانتخابية التي شهدها المغرب ،ما أثار سجالا حادا بين الفرقاء السياسيين على اختلاف تياراتهم، نظرا للدور الذي يلعبه نمط الاقتراع ، في توجيه العملية الانتخابية والتحكم في الخريطة السياسية التي تفرزها صناديق الاقتراع. 

من خلال القراءة المتأنية للمسار الانتخابي المغربي والتطورات التي شهدتها الحياة السياسية المغربية، نلاحظ أن السجال السياسي والأكاديمي حول نمط الاقتراع ببلادنا، قد طرح منذ الاستقلال ،خلال وضع الإطار القانوني للانتخابات سنة 1960، إذ حسم الأمر وقتئذ لصالح اعتماد  الاقتراع الأحادي الاسمي في دورة واحدة، الذي ظل ساري المفعول، منذ أول انتخابات تشريعية عرفتها المملكة سنة 1963 و حتى بعد صدور دستور 1996 إلى غاية انتخابات 2002 التشريعية، قبل أن يتم  تعويضه بنمط الاقتراع اللائحي بالتمثيل النسبي على أساس أكبر بقية .من خلال الظهير الشريف رقم 83-97-1 الصادر في 23 من ذي القعدة 1417 بتنفيذ القانون رقم 97-9 المتعلق بمدونة الانتخابات التشريعية ج. ر بتاريخ 24 ذي القعدة 1417 - 3 أبريل 1997.
لقد اختلفت  هذه المحطة عن المحطات  السابقة من حيث الظرفية التي حكمتها ، فقد تمت في عهد جديد، وفي ظل حكومة جديدة اصطلح عليها  بحكومة التناوب التوافقي، سعيا إلى عقلنة المشهد السياسي وتخليق الحياة السياسية، قبل أن تطالب بعض الأحزاب مؤخرا بالعودة إلى الاقتراع الأحادي الاسمي أو الاقتراع الفردي ذي الدورتين مع رفع العتبة،لعجز الاقتراع اللائحي بالتمثيل النسبي عن تخويل مرشحي الأطياف السياسية فرص متساوية في الحصول على مقاعد بالبرلمان، قبل أن يحسم النقاش في النهاية لصالح الإبقاء على هذا النمط ( عرض لطلبة ماستر القانون الدستوري والمؤسسات السياسية حول القانون الإنتخابي سنة 2009 ). 
فأي من الأنماط كان ناجعا لترجمة الأصوات المعبر عنها في الاقتراع إلى مقاعد داخل البرلمان المغربي هل الاقتراع الأحادي الاسمي ذي الدورة الواحدة ؟ أوالإقتراع اللائحي بالتمثيل النسبي على أساس أكبر بقية؟    
في هذا الخصوص،يكاد يجمع  فقهاء القانون  الدستوري والعلوم السياسية على غياب وجود نمط اقتراع مثالي، انطلاقا من فرضية أساسية مفادها، أن نمط الاقتراع  لا يعدوا أن يكون مجرد عنصر واحد من عناصر الحياة السياسية، يتكيف مع المعطيات الاجتماعية والثقافية لكل بلد، ويواكب تطوراتها عبر الزمن. 

فإذا كانت الفرضية الكلاسيكية تفيد أن الاقتراع النسبي يساهم في التجزئة الحزبية، و يعزز التمثيلية الفعلية للمنتخبين، بينما يروم الاقتراع بالأغلبية الاتجاه المعاكس، فإن الواقع المغربي أتبث عدم صحتها، وللتدليل على هذا الرأي  نسوق كمثال على ذلك ، "فحتى سنة 2002، لم يمنع الاقتراع الأحادي الاسمي بجولة واحدة من تفتيث الحقل السياسي والحزبي، النموذج الإنجليزي (حزبي العمال والمحافظين). خلافا  للجمهورية الفدرالية الألمانية، حيث يسفر الاقتراع اللائحي بالتمثيل النسبي بانتظام عن أغبيات متناسقة تتكون من ثلاثة إلى خمسة أحزاب ممثلة في البرلمان.
كما أفرز تجريب هذا النمط من الاقتراع بالمغرب جملة من النواقص كان أبرزها، تعميق تفتيت الحقل الحزبي وتكوين أغبيات غير متجانسة وتمثيلية غير المتكافئة بين المجالين القروي والحضري، لصالح الأول رغم  أن نسبة سكان العالم الحضري أضحت تمثل  إلى حدود سنة2010 أزيد من 51 في المائة من مجموع السكان،هذا علاوة على إنزال بعض القياديين في دوائر انتخابية لا علاقة لهم بها من الناحية التنظيمية، إلى جانب عوامل أخرى من قبيل  التراجع المضطرد لنسبة المشاركة في الانتخابات والانتقادات الموجهة للتقطيع الانتخابي ،خصوصا عدم مساواته بين الدوائر الانتخابية ،وإغفاله للمعطيات الإثنية والجغرافية، في تحويل نمط الاقتراع بالنسبة للدوائر الانتخابية التي بها 2 - 3 مقاعد إلى اقتراع أحادي إسمي مقنع، مع ما يعنيه ذلك من تكريس لدور الأعيان على مستوى الجماعات والبرلمان. 
فكانت النتيجة،هي أن الأنظمة الانتخابية التي شهدها المغرب خلال  فترة ما بين 1962-2016  لم تثبت فعاليتها في تحقيق قطبية حزبية، كما لم تفلح في استقطاب المواطن للمشاركة في صنع السياسة العامة للدولة  و بالتالي تكريس  العزوف السياسي والانتخابي،علاوة على  اعتماد نظام انتخابي معقد إلى جانب وجود نسبة عالية من الأمية وسط الناخبين  والمرشحين.

ما سلف ذكره حدى، بمجموعة من  الأحزاب السياسية إلى  رفع مطالب تروم توسيع الدوائر الانتخابية في ظل اعتماد نظام اللائحة بواسطة التمثيل النسبي، وإلا فإن هذا النمط من الاقتراع،سيقود لا محالة إلى نفس نتائج الاقتراع الاسمي والآثار التي يمنحها اعتماد الاقتراع الأغلبي، على غرار ما يجري في المملكة  الإسبانية والتي وإن كانت تأخذ بالتمثيل النسبي، فإنها وعلى مستوى نتائج الاقتراع، تعرف تداول حزبين كبيرين على ممارسة السلطة مثل البلدان التي تأخذ بالاقتراع الأغلبي في دورة واحدة. ويكمن السبب  في أخذها بالتمثيل النسبي دون اعتماد مبدأ توسيع الدوائر الانتخابية،الأمر الذي يجعل المنافسة الانتخابية فيها تتم بواسطة اقتراع بالأغلبية مقنع أكثر منه تمثيل نسبي. 

خلافا لما سلف ذكره رأى  أستاذ علم الاجتماع السياسي، محمد ضريف، بهذا الخصوص أن المغرب قد راهن خلال مرحلة الانتقال الديمقراطي بقدر معين ،البحث عن نمط للاقتراع يساعد على تقوية نسبة المشاركة السياسية ليس أكثر من البحث عن نمط للاقتراع يساهم في "عقلنة" المنظومة الحزبية. ونخلص  بالقول إلى أنه ليس هنالك أفضل من نمط الاقتراع اللائحي بالتمثيل النسبي لتأمين بعض مستلزمات الانتقال الديمقراطي التي يتصدرها رفع نسبة المشاركة السياسية وتأمين التمثيلية السياسية للنساء، فضلا عن إشاعة النقاش السياسي العمومي، سواء بالعمل على تغيير الثقافة الانتخابية للناخب بدفعه للتركيز على البرنامج الحزبي عوض التركيز على الشخص، أو بالعمل على فرز نخبة برلمانية قادرة على توسيع النقاش السياسي العمومي.
 إلى جانب ذلك ، فإن النظم الانتخابية لا تقتصر على الطريقة التي يتم بها تحويل الأصوات الانتخابية إلى مقاعد نيابية في مجلس النواب فحسب، إنما قد تؤثر في العناصر الأخرى المشكلة  للنظام السياسي (مثل وضع نظام للأحزاب السياسية ، والفصل بين الأيديولوجيات السياسية ، وتمثيل مختلف  المصالح الاجتماعية ، والملامح الرئيسية للحملات الانتخابية ، وقدرة الأنظمة السياسية على تزويد الأفراد بمؤسسات سياسية فاعلة ، وشرعنة النظام السياسي). كما تبرز أهمية الأنظمة الانتخابية أيضاً بفعل  ربط المواطنين مع زعمائهم من خلال بعض الآليات مثل التمثيل والمسؤولية والمساءلة السياسية.

و ختام القول، هو أن التعديلات التي لامست  النظام التمثيلي في المغرب منذ 1960 إلى حدود سنة 2016، قادت إلى بلقنة المشهد الحزبي في المغرب،وبالغت في تشجيع التعددية السياسية،وإن كانت قد أظهرت اهتماما بالغا بتشجيع المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية، فقد قادت التدابير المتخذة إلى تفاقم أزمة المشاركة السياسية، فنسب المشاركة في الاستحقاقات التشريعية المتوالية منذ 1963 إلى 2016 ميزها التذبذب وعدم الاستقرار من انتخابات لأخرى،فبرزت مجموعة من الظواهر المرافقة للأزمة من قبيل التجاوب السلبي للمواطنين مع الحملات الانتخابية والبرامج الحزبية المروجة،تفاقم حدة الانشقاقات الحزبية حيث انتقل عددها من  7 أحزاب سنة 1963 إلى 16 حزب سنة 1997 ثم إلى 26 حزب سنة2002  . ف36 حزب سنة 2007 ثم، ليتقلص سنة 2012 إلى31 حزب و29 سنة 2016 ،إلى جانب عدم مطابقة الممارسات مع القواعد الدستورية والقانونية، ما انعكس واقعيا على الأداء الوظيفي للمؤسسة البرلمانية وأفرز حصيلة تشريعية ورقابية ودبلوماسية هزيلة ،إن ماسلف ذكره من شأنه أن يدفع المشرع الدستوري والبرلماني مستقبلا لإعادة النظر في النظام التمثيلي برمته حتى يصبح قادرا على ترجمة تمثيلية صحيحة للمواطنين والمواطنات في الخارج والداخل وبين ومختلف جهات المملكة من جهة ومن جهة أخرى الأحزاب السياسية والهيئات النقابية،وينعكس في نفس الآن على الأداء الوظيفي للمؤسسة البرلمانية تشريعيا ورقابيا ودبلوماسيا.

المراجع: 
 -  القانون الدستورية والمؤسسات السياسية لمحمد الحاج قاسم صادر عن دار النشر الدار البيضاء 2013.
 - واقع التمثيل النيابي في الجزائر لحليمي صورية وطرمون أمال.
 - الظهير الشريف رقم 83-97-1 صادر في 23 من ذي القعدة 1417 بتنفيذ القانون رقم 97-9.
 - البيان  الرسمي لوزارة الإعلام المغربية حول نتائج انتخابات سنة 2002. 


طالب دكتوراه في العلوم السياسية والقانون الدستوري بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالدار البيضاء*

Auteur: 
طارق بوتاقي