رسالة إلى صديقي السينمائي السيد سعيد

الممثل محمود عبد العزيز في فيلم "القبطان" للمخرج السيد سعيد

غالبا ما أقسم المشتغلين بحقل السينما إلى ثلاثة أصناف :المخرجون  المتور أون سين metteur en scéne، والسينمائيون.

السينمائي، في نظري، هو من يملك فلسفة سينمائية، تدعم رؤيته للعالم، وتحدد علاقته مع الواقع والتاريخ والمستقبل . بناء عليه نجد أن هناك مخرجين سيئين غزيري الانتاج ، لا يملكون أي فكرة. وهناك مخرجون جيّدون، لهم أفكار كثيرة. وهناك سينمائيون كبار،  لهم فكرة واحدة، عبروا عنها في إنتاج واحد، أو في بعض إنتاجات ( رامبو ، تاركوفسكي ، أحمد البوعناني ، شادي عبد السلام ). نجد من بين هؤلاء السينمائيين، من لم ينتجوا  أفلاما، بل أطرو عالم السينما بأفكارهم ونظرياتهم القيمة ( أندري بازان ، سمير فريد وآخرين ).

 قدر اللقاء بالسينمائي السيد سعيد

كان من المقرر أن نلتقي في بدايات التسعينيات عندما نظمت  - وأنا رئيس نادي العمل السينمائي بالدارالبيضاء – الملتقى الدولي للسينما  والرواية، الذي حضره وفد مصري مهم، من بين أعضائه صلاح أبو سيف، علي بدرخان، داود عبد السيد، إبراهيم أصلان، صبري موسى، فردوس عبد الحميد، كمال رمزي ومحافظ الذاكرة السينمائية المصرية آنذاك أحمد سعيد. وكان علي أن أنتظر مهرجان القاهرة، لآراك واقفا كالرمح، أمام قاعة الهناجر. طلبت من صديقتي ناهد عز العرب ، التي كنت قد تعرفت عليها بمهرجان تطوان ، أن تقدمني لك، كان إستقبالك لي جافا. شعرت بغلافك النحاسي، يبعد المسافة بيننا. لعنت دينك في قرارة نفسي، وتحاشيت بعد ذالك عجرفتك المكتفية بنفسها. إلتقينا بعد ذالك بمهرجان تطوان، قبل أن أدعوك إلى مهرجان الرباط ، لأكتشف أن الشبيه لا يحب الشبيه من أول لقاء.

 حذاء السيد سعيد

 ونحن بمهرجان الرباط، سألتني عن شخص أثار إهتمامك ، بشطحاته الجسدية ، قلت لك إنه قمري البشير. وما إن تعرف عليك، حتى هاجمك بشغبه المعرفي، وطاف بك تاريخ السينما المصرية  والثقافة المصرية، مركزا على أعمال جمال الدين الغيطاني، والزيني بركات، وزرع البصاصين  والمخبرين، الذين يسعون في الأرض فسادا، وطرق التعذيب، وبوابات الجحيم، المبتوتة في المغرب الأقصى وفي مصر المحروصة. ومن كثرة المشي والطواف، أتلفت حذاءك. فكلمتني عن الفتى الطموح المتيم بحب مصر، والذي أويته وأطعمته في بيتك، وأخذ منك ثمن كتاب بالألوان.

 القبطان

وكان القابوطي يقف فوق سطح السفينة كأنه قبطان

من أي طمي مقدس عجنت كل هذا.

كيف خلقت هذا الانزياح، وأنقدت الصورة السينمائية من عاميتها، ومن جهلها الوثني، الذي نصب الأصنام.

لعلك بفعلتك هذه، تتذكر ذالك الفتى، الذي لقيه أندري روبلوف  في رحلة التيه، وقد كلفه الحاكم التثري،  بصنع جرس الكنيسة. فإدعى الفتى، خوفا من القتل، أن أباه ترك له سر الصنعة، بعد أن فشل كل الصناع.

كيف جمعت بين الواقع والخيال والفانتازيا، لتقبض على التاريخي الداخن والسياسي الحارق.

كيف حاصرت البلاد بين منصور الدهشوري، الراقص السكران، والحاكمدار، المدعم بالنياشين والبنادق الانجليزية.

كيف جعلت من الشمس طهارة، ومن البحر شفاء، ومن الأرجل مراة  للشهوة، ومن النوارس موسيقى للشهادة والاستشهاد.

كيف دفعت بالصورة إلى أقصى حدودها لتصبح شعرا.

من أين جاءتك هذه البدعة ، لتكسر كل تاريخ "المحاكاة"

"كلما نسخت المحاكاة النوذج الطبيعي بأمانة أعظم.  كلما إنقلب ذالك إلى سام وتذمر. فثمة رسوم لأشخاص يقال عنها بشيء من الدعابة إنها تشبه الأصل إلى حد الغثيان ... إن الإنسان سيشعر ولا بد بفرح أكبر بإنتاجه شيئا يكون نابعا منه فعلا. شيئا يكون خاصا به، يستطيع أن يقول عنه أنه منه”. 

هكذا تكلم هيجل أيها القبطان : إنه شيء منك.

 اشتركنا الخبز والملح.... والاستطيقا 

إلتقيت، في مهرجان قرطاج، بمحمد القليوبي، وكان  برفقته رجل كتوم، إسمه فاضل الأسود. استل من زوادته، كتابا  قدمه لي بعد توقيعه. فاجاءتني هذه الكتابة الباذخة، المدججة بالنظريات الحديثة، وأنا الذي تعودت على قراءة النقد المصري،  المكتفي بوصف الحكاية المصورة ، وتحليل الرسالة التي يحملها الموضوع الدرامي.

وعندما قرأتك على صفحات  مجلة "اليوم السابع "، عرفت لماذا جاء فيلمك، أكثر من القصة ومن الموضوع ومن الشريط المصور.

إنك من عشيرة السينمائين المنظرين ، فلاسفة التفكير البصري،  الذين يكسرون الحدود بين المعارف . ليجعلوا الشعر والتشكيل والمعمار والموسيقى والرقص،  يخترق السينما، للدفع بها نحو السينماتوغرافيا، التي هي برزخ بين الفن والفلسفة. إن السينماتوغرافيا هي طريقة جديدة للكتابة. بمعنى طريقة جديدة للإحساس. إنها التفكير الاستثيقي، الذي  يعمل على أن يجعل من الصورة  بلورا، يمتلئ بها البصر ويطفح بها الوجدان،  ليتحقق التأمل والإنصات، لنداء الوجود، والاستجابة لصوته ،  والاندهاش بانكشافه . ان الاستطيقا هي المكان الذي يلتقي فيه وجداننا مع العالم .

إن الرؤية الجمالية التي تعمل بها ، تحفر تحت سطح الصور والكلمات، لتفجير الانساغ والمعاني .

 بهذا الوجود الفيلمي، جعلت محمود عبد العزيز،  ينسلخ عن جلده في الكيت كات ورأفت الهجان ، ليسكن شخصية القبطان،  فيتعرف عليه الناس ويحبونه.

فليس هناك أسعد من السيد سعيد ، ذالك الذي ابتكر للمصريين قبطانهم.

 " إنما أحدثك فترى

 فإذا رأيت فلا حديث "

حبيبك النفري


حمادي كيروم : ناقد وباحث سينمائي مغربي. من مواليد 1951 المغرب الدار البيضاء. مدير مهرجان الرباط السينمائي الدولي منذ عام 2000.

Auteur: 
حمادي كيروم